Amira Mikhail

أميرة ميخائيل
فئات

الاصلاح السياسى, المجتمع المدني, حقوق الانسان, رئيسي, مصر @ar



Bookmark and Share
حُق لأطفال الشوارع في مصر أن ينعموا بمكاسب كثيرة من الثورة. ولكن؛ لم تتسارع خطى التغيير إن كان هناك أصلاً تغيير – وبطرق كثيرة – باتت قضيتهم بعيدة عن المشهد. فقر يستشري، واقتصاد غير رسمي متنامي، وعدم استقرار سياسي مستمر؛ كل ذلك يدفعنا للقول بأن هناك تحديات تواجه سلامة هؤلاء الأطفال.

لا تعتبر مسألة أطفال الشوارع ظاهرة وليدة اليوم في مصر – بل إنه حتى قبل الثورة – كنا نشاهد أولائك الأطفال غالبًا على جوانب الطرقات وتحت الكباري يسألون الناس، ينظفون السيارات، أو يبيعون المناديل. في 2005؛ صدرت تقديرات عن اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا) بأنه هناك ما بين 200000 إلى 2 مليون طفل مأواهم الشوارع. بل ادعت مصادر أخرى بأن هناك ما يصل إلى 3 مليون طفل في الشوارع. ومع معارضة الحكومة للأبحاث والبيانات الاجتماعية؛ يبقى عدد أطفال الشوارع غير معلوم.

هؤلاء الأطفال مثل كثير غيرهم من المصريين؛ أصبحت لهم يد مخلصة في الثورة. أثناء الاعتصامات؛ توجه الكثير من العائلات والأطفال ممن لا مأوى لهم صوب ميدان التحرير باحثين عن عمل أو مكان يبيتون فيه ليلهم لا أكثر. إذ كان يأوي أطفال الشوارع إلى الخيام بين جموع النشطاء. وهناك بالميدان ووسط البلد نُصبت مدارس ومآوٍ صغيرة لحفظ سلامة الأطفال ولتعليمهم. تجد عربات تبيع الفشار أو البطاطا بمحاذاة الشوارع عند كل احتجاج؛ يقوم على إدارة بعضها أطفال في مثل سن التسع سنوات. كذلك فقد انضم الأولاد الصغار إلى الصفوف الأمامية في المصادمات.

إلا أنه رغم صعود وهبوط مؤشر حماسة الثورة والتغير الاجتماعي؛ يبقى أطفال الشوارع ضحايا إدارة الدولة وانتهاك حقوق الإنسان، بل إنهم منسيون من المجتمع بشكل عام. لقد ظلت تتوالى التقارير عن حملات اعتقال شاملة أسفرت عن اعتقال آلاف الأطفال على مدار سنة ونصف مضت. فغالبًا ما كان يُقبض على الأطفال أثناء الصدامات أو الاحتجاجات؛ لكنهم في أوقات أخرى كانوا يخضعون للاعتقال بشكل عشوائي. فهذا طفل يحكي أنه كان في ميدان التحرير يشتري مؤشر ليزر وإذ به يجد نفسه مسحوباً من أحد أفراد الشرطة. وغالبًا ما توجه تهم "العنف" و"السرقة" و"مقاومة السلطات" و"إتلاف الممتلكات العامة" للمقبوض عليهم – وفي بعض الأحيان يكونون صغارًا في سن 5 سنوات.

في مؤتمر عُقد مؤخرًا ضم ممثلي المجتمع المدني ومسؤولين حكوميين معنيين؛ صرح أحمد مصلحي – أحد الممثلين عن الائتلاف المصري لحقوق الطفل – أن ما يزيد عن 1000 طفل تحت سن 18 سنة قُتلوا على مدار السبعة أشهر الماضية. ويتبين من قضية عُمر صالح الشهيرة – واحد من الضحايا – الدور السافر الذي تلعبه الحكومة. في 3 فبراير/شباط؛ أصيب عُمر البالغ من العمر حوالي 10 سنوات بطلقين ناريين في الصدر بيد رجل عسكري في استعراض "عفوي" منه للقوة. وبعد حوالي شهرين؛ ما زال المحامون وعائلة عُمر يناضلون أمام إحدى المحاكم والتي بدورها تنفض يدها من القضية رغم توفر الدليل القاطع الذي يُظهر المتهم بقتل عُمر. في تقرير نُشر في 4 أبريل/نيسان؛ أكدت الحملة الشعبية لحماية الطفل بأن المحاكم دأبت على العمل بتقرير جدلي مُبدَّل يحابي المدعى عليه.

علاوة على التقارير بوفيات الأطفال؛ هناك آلاف محتجزون ومسجونون. إن معاملة الأطفال التي تُنذر بالخطر عقب إلقاء القبض عليهم تعتبر انتهاكًا واضحًا للقانون المحلي والدولي على حد سواء. فقد كثُرت التقارير بالاعتداءات البدنية والجنسية؛ حتى وصلت إلى حد الضرب المبرح والتعذيب والاغتصاب. كثير من الأطفال لا يُرسلون إلى مؤسسات تناسب أعمارهم، بل يودعون في زنازين مع المجرمين البالغين مما يضاعف الاعتداءات التي يتعرضون لها. ولا أخبرك عن تردي حال إصلاحيات الأحداث. قصص مرعبة لا تشجعك – بل لا تشجع الأطفال أنفسهم – على أن يوصوا بهذه الإصلاحيات كبديل فعال.

رغم بعض المكاسب القانونية في 2008 المتمثلة في مراجعة أقسام قانون الطفل (القانون رقم 12 لسنة 1996)؛ إلا أن التحديات الكبرى تبقى في إعمال القانون. في الواقع؛ إن ما يثير السخرية هو أن المنوط بهم تحمل مسؤولية إعمال هذه القوانين هم غالبًا أول من ينتهكها. فقد ورد في المادة 4 " أن على الدولة أن توفر رعاية بديلة لكل طفل حرم من رعاية أسرته" وهذا نص صريح بتحميل الدولة مسؤولية حماية الأطفال المُشردين. وإلى الآن لا تنفك الحكومة المصرية عن انتهاك قوانينها – ولا مجال للحديث عن التزامها بالقانون الدولي. تنص اتفاقية حقوق الطفل صراحة على مسؤولية الدولة عن حماية حقوق الطفل في الحماية والرعاية والتعليم والصحة.

ظل المجتمع المدني المصري وكذا المنظمات غير الحكومية الدولية يعملون لسنوات على تحسين معيشة هؤلاء الأطفال. ولكن؛ في ظل حكم الإخوان المسلمين؛ بات قانون المنظمات غير الحكومية الذي صيغ مؤخرًا يمثل تهديدًا بوضع معوقات تعجيزية في طريق المجتمع المدني. حيث إن العديد من المنظمات غير الحكومية تعتمد على التمويل الأجنبي في المشاريع والأعمال الخيرية. والآن؛ وفي ظل هذا القانون المصاغ حديثًا؛ ينتاب المنظمات غير الحكومية والمؤسسات المشابهة لها قلق بشأن قدرتهم على التكيف مع هذه السياسات والتنظيمات الصعبة.

إن التبعات السياسية والاجتماعية لأعداد أطفال الشوارع التي تزداد في مصر تستلزم اتخاذ خطوات شاملة وجادة لمعالجة هذه المشكلة. حيث إن هوة البُعد بين هؤلاء الأطفال وبين المجتمع تزداد عما كانت عليه من قبل. فالسياسات مُقيِّدة، وكثير من ألائك الأطفال من لا يمكنه الالتحاق بالمدرسة أو الانخراط في القوى العاملة – وفي بعض الحالات – حتى لا يمكنه الحصول على هوية تثبته لوطنه - بما في ذلك شهادات الميلاد. هناك مقترحات معينة من جانب الحكومة الحالية – إن مُررت في قانون – فسوف تكون ذات وقع كارثي على تنمية الطفل. على سبيل المثال: أعلنت وزارة التأمينات والشئون الاجتماعية في العام الماضي عن تخصيص 17 مليون جنيه مصري لبناء مدن قائمة بذاتها لأطفال الشوارع يودعون فيها إلى حين أن يصيروا "جاهزين ليعاد تأهيلهم في المجتمع". لحسن الحظ؛ لم يتم تمرير هذا المقترح إلى الآن. إن مثل هذه الأفكار بعيدة عن الفعالية وتجعل المجتمع المدني متوجساً بشأن مستقبل حياة أطفال الشوارع تحت حكم الحكومة الحالية.

ومع ما يصل إلى 3 مليون من أطفال الشوارع (وهو عدد ربما يزيد عن العدد الحقيقي لأعضاء جماعة الإخوان المسلمين)؛ تواجه مصر قطاعًا من المجتمع يعيش في عالم وهمي ولم يحظى بالتعليم – بما يقودنا إلى سيناريو كارثي إذا وضعنا بعين الاعتبار مرحلة التراجع والهبوط التي يمر بها الاقتصاد. فالسياسات الحكومية لا تعمل إلا على تنشئة جيل صاعد من الفقراء في أرض مصر، مما قد يُردي بالبلاد في مستنقع من عدم الاستقرار يطول أمده.

تتحمل الحكومة المصرية مسؤولية معالجة هذه المشكلة الخطيرة والعميقة؛ بدء من منع حالات هروب الأطفال في كل بيت، مع قيامها في نفس الوقت بتلبية الاحتياجات المُلحة لكل طفل ليس له مأوى إلا الشارع في وقتنا هذا. ثمة إصلاحات جادة نحتاجها، إما حرية المجتمع المدني في العمل فهي ضرورة لكي نوفر لأطفال مصر حقوقهم الوطنية والأصيلة.

أميرة ميخائيل هي عضو بالحملة الشعبية لحماية الطفل. يمكنك متابعتها على مدونتها بموقع http://nilerevolt.wordpress.com.