Ramy Aziz

رامي عزيز
فئات

إسرائيل, الحرية الدينية, الديمقراطية, المجتمع المدني



Bookmark and Share
عندما وجهت لي دعوة من الخارجية الإسرائيلية لزيارة إسرائيل ضمن وفد من الصحفيين والإعلامين العرب المقيمين في أوروبا، لم أتردد في قبول تلك الدعوة، والتي تهدف إلى إتاحة الفرصة لنا كصحفيين وإعلاميين التعرف بحرية على مختلف نواحي وأوجه الحياة داخل دولة (إسرائيل) التي تقع في قلب منطقة الشرق الأوسط، وأحدي مراكز الصراع في المنطقة، والتي تحوز على اهتمام كبير لدى الشعوب المجاورة. وقد دفعني الفضول لمعرفة كيف تكون هذه الدولة وكيف تدار، لأنه وبالرغم من أن العالم أصبح قرية صغيرة نتيجة التقدم الهائل في وسائل الاتصال والتواصل والمعرفة، إلا أن التشويش والتشويه الذي تتعرض له إسرائيل في وسائل الإعلام العربية يجعل من الصعب على المواطن العربي فهم حقيقة هذه الدولة التي تقع في قلب المنطقة. وتمثل المشكلات المستمرة والمتكررة في الضفة الغربية وقطاع غزة مصدر قلق للكثير من العرب، لكن وسائل الاعلام في كثير من الأحيان تخلط ما بين السياسة الخارجية لدولة إسرائيل وما بين واقع الحياة داخلها. وغالبا ما تنتج وسائل الاعلام هذه رؤى بائسة عن الحياة داخل إسرائيل.

ولذا ما سأكتبه في السطور القادمة لا يمكن وصفه بأنه مقال أو تحليل، لأن ما سأكتبه هو شهادة حية مستقاة من الواقع الذي رأيته بعيني وفحصته بنفسي دون أي تأثير يذكر من أي شخص أو جهة. آمل أن أقدم وجهة نظر بديلة ومختلفة عما تتناقله وسائل الاعلام العربية التي غالبا ما تقدم رؤية مبالغ فيها عن واقه الحياة داخل إسرائيل.

طوال مدة الرحلة من مدينة روما إلى تل أبيب، على متن خطوط شركة العال الإسرائيلية، أخذت أفكر فيما ينتظرني وماذا سأرى، وبالرغم من أنى لدى خلفية مسبقة عن إسرائيل ولى أصدقاء هناك بحكم عملي، لكن المخزون والرواسب النفسية المتراكمة بداخلي منذ أن كنت طفل بالمدرسة وخلال مراحل حياتي المتعاقبة في مصر مرت بذاكرتي، وأخذت أتساءل هل ما أعرفه الحقيقة، أم ما كانوا يخبرونا به في صغرنا وما تربينا عليه هو الحقيقة؟، هل سيكرهني الإسرائيليين وسيسيئون معاملتي لو عرفوا بأني مصري؟ وهل سأتعرض للإيذاء اللفظي أو البدني من بعضهم، أذا ما سمعني أحدهم أتكلم بالعربية؟

وسرعان ما خرجت من تلك الهواجس على صوت الرجل الذي كان يجلس بجواري هو وزوجته، عندما سألني بالعبرية عن شيء ما ولم أفهمه، فأبلغته بالإنجليزية "عفواً لا أتحدث العبرية" فاعتذر وسألني بالإنجليزية "من أين أنت" فأجبته من مصر، فوجدت منه هو وزوجته ترحيب شديدة بابتسامة صافية، وليست صفراء كما يقال عن الإسرائيليين واليهود في مدارسنا ومجتمعاتنا وكما تعكسه أعمالنا الفنية من مسلسلات، وأفلام، وبرامج. وصلت إلى تل أبيب العاصمة الاقتصادية لإسرائيل، ولم أستطع من شكل المطار وتجهيزاته أن أفرق أن كنت قد خرجت من أوروبا أم ليس بعد، كل شيء حديث ونظيف ويدل بما لا يدع مجال للشك بأنك في دولة من الدول المتقدمة.

وبدأت رحلتي من مطار بن غوريون إلى مقر إقامتي ب أورشليم - القدس (العاصمة السياسية لإسرائيل)، وفى طريقي رأيت طرق متسعة ونظيفة مليئة بالأشجار والمناظر الطبيعية الخلابة. كنت أدون ملاحظاتي عن كل شيء، فانا هناك في مهمة لنقل الحقيقة من داخل إسرائيل وفى القدس، قمت بزيارة وزارة الخارجية، والكنيست "البرلمان"، ومتحف ياد فاشيم -الهولوكوست الذي يخلد ذكرى الإبادة الجماعية التي ارتكبها النازيون وأعوانهم والتي راح ضحيتها ستة ملايين من الأبرياء الذين ليس لهم ذنب سوء دياناتهم وهويتهم اليهودية.

وتقابلت مع شخصيات عربية وأخرى يهودية من أصول عربية من دول عربية عدة، مستمعاً إلى ذكرياتهم، عن حياتهم السابقة في العراق ومصر وغيرها، وكيف خرجوا منها مجبرين بعد التعرض لتجارب مريرة نتيجة التحريض والكراهية، ورأيت كيف تجمعهم الحياة في صورة للتعايش، لا تعجب المخربين والمحرضين الذين لا يحبون الحياة والسلام، فيحرضون أبنائهم وذويهم على طعن وقتل الأبرياء، ويتاجروا بدمائهم بعد ذلك، ويزيفوا الحقائق بمساعدة الأعلام المأجور.

ولم أنسى زيارة الأماكن الدينية، ولم يوقفني أو يمنعني أحد من أفراد الجيش أو الشرطة الإسرائيلية مثلما يشاع، بالرغم من تصعد وتيرة التحريض والعنف من قبل المخربين. الحياة في المدينة المقدسة مستمرة ونابضة بالحياة طوال ساعات الليل والنهار، فالمدينة لا تنام حيث يقصدها زوار من شتى بقاع الأرض.

وبعد قضاء يومين في القدس أجمل مدن العالم توجهت والمرافقين من الصحفيين والإعلامين إلى تل أبيب، عاصمة التكنولوجيا والمال والإعمال، والتي يمكن تسميتها بنيويورك الشرق الأوسط، وأذهلني تواجد كل هذا الكم الضخم للشركات العالمية والمحلية العاملة في مجال تقنية الاتصالات والتكنولوجيا بفروعها المختلفة حتى صارت تلقب ب "سيليكون فالي".

لكن بعيداً عن الشركات والمكاتب المغلقة فالحياة في تل أبيب حياة مليئة بالنشاط، فترى الناس صباحاً يمارسون رياضة المشي، والجري، وركوب الدراجات الهوائية في الأماكن المخصصة لذلك على شواطئ البحر والمجهزة لاستقبال الناس ليقضوا أوقات طيبة. وليلاً تجد المطاعم والمقاهي مملؤة بسكان المدينة والسياح القادمين من خارج إسرائيل وتستطيع أن ترى وجوه تمثل مختلف مناطق العالم. وكما القدس، فتل ابيب مدينة دولية ترحب بالجميع وتمزج بين مجموعة متنوعة من الانماط الثقافية. فبحق تل أبيب - يافا ليس مركز للتجارة والأعمال فقط بل هي مدينة ترفيهية أيضا تستطيع أن تقضى بها وقت جميل مستمتع بالبحر والجو والحداثة معا في آن واحد.

وفى مكان جديد وهذه المرة من مدينة حيفا الساحلية الجميلة، زرت صرح علمي كبير وهو جامعة حيفا ذات المباني الشاهقة والمكتبات التي تحتوي أكثر من 2 مليون كتاب ودورية وأقسام لذوي الاحتياجات الخاصة والمكفوفين. وقد لفت انتباهي مكتبة الأطفال الموجودة في قلب مكتبة الجامعة، والتي يأتون بالأطفال بها لتعليمهم كيفية البحث وغرس حب القراءة فيهم منذ الصغر حتى ينموا فيهم تلك الهواية والموهبة. وتعد جامعة حيفا نموذج وانعكاس للمجتمع في دولة إسرائيل فالجامعة تجد فيها طلاب يهود وعرب ودروز وشراكسة، مسلمين ومسيحين ودروز وبهائيين وملحدين، الكل يتاح له نفس الفرصة على قدر من المساواة دون التفريق أو التميز بناء على عرق أو دين.

وزرت والتقيت في حيفا وتحديدا في قرية دالية الكرمل الواقعة على جبل الكرمل، مشايخ وعائلات درزية واستمعت منهم حول تجربة دمج الدروز في المجتمع الإسرائيلي، ووجدتهم يفضلون أن يطلقوا على أنفسهم وأن يناديهم الناس بأنهم إسرائيليين وليس عرب 48، قائلين نحن نحمل الجنسية الإسرائيلية ونلتحق بجيش الدفاع الإسرائيلي، وإسرائيل تعاملنا كمواطنين لهم كامل الحقوق، فأذن لم ننكر إسرائيليتنا.

وفى المساء فضلت أن أخرج لتناول العشاء في الخارج، وذهبت إلى شارع بن غوريون الشهير المطل في بدايته على حدائق البهائيين الشهيرة وفى نهايته ميناء حيفا الشهير، المليء بالمقاهي والمطاعم العربية، التي تستطيع أن تكتشف ذلك من سماعك لصوت الأغاني وأحاديث الناس، وأخذت أتجاذب أطراف الحديث مع الموجودين من زبائن المطعم والعاملين عن أحوال العيش هنا وهل توجد تفرقة بين المواطن من أصول غير يهودية والمواطن اليهودي، ووجدت الإجابات كلها بالنفي وأخبروني بأن في إسرائيل القانون يطبق على الجميع دون تميز أو تفرقة على ساس الدين، أو العرق،  أو اللغة  ، المواطنة هي الأساس في التعامل.

وفى النهاية وبعد التنقل لمدة خمسة إيام بين القدس وتل أبيب وحيفا، وبعد زيارات لمؤسسات رسمية للدولة وأخرى أهلية ومجتمعية، وبعد زيارة مؤسسات تعليمية، والاستماع إلى مختلف شرائح المجتمع الإسرائيلي المختلفة من يهود وعرب ودروز وبدو، بديانتهم وخلفياتهم المختلفة من مسلمين ومسيحين ودروز وبهائيين وحتى الملحدين، أستطيع القول من وجهه نظري الشخصية أن إسرائيل هي الديمقراطية الوحيدة والحقيقة في منطقة الشرق الأوسط بالكامل، فرأيت كل الأقليات والديانات والمعتقدات في هذه الدولة تتمتع بحرية العقيدة والتعبد، فاستمعت في مناطق مختلفة لصوت الأذان من الجوامع الذي هو ممنوع في أوروبا، ورأيت المسيحين يرتدون الصلبان على صدروهم دون خوف من كشف هويتهم، مثلما يحدث في الدول المجاورة، ورأيت البهائيين لهم حدائق ونصب تذكاري لا يوجد له مثيل بالعالم.

رأيت دولة شكلت مؤخرا وأصبح بها مؤسسات ديمقراطية توازى أعرق الديمقراطيات في العالم، بالرغم من حداثة عمر دولة إسرائيل الجديدة، رأيت بدون مبالغة شعلة مضيئة في منطقة حالكة الظلام، وأدركت بما لا يدع بالمجال للشك أن سر بقاء إسرائيل رغم كل ما يحيط بها من مخاطر وجدال هي الديمقراطية والحرية التي تسود المجتمع الإسرائيلي بمختلف شرائحه ومكوناته.

 

 


رامي عزيز هو صحفي مصري مقيم في أوروبا.